الفيض الكاشاني

17

الأصول الأصيلة ( طبع كنگره فيض )

وما أشبهه ممّا في الكتاب يدلّ علي أنّ الحكم لله وحده . فزعمتم : أنّه ليس في الكتاب ولا فيما أنزل الله علي نبيّه ( ص ) ما يحكم به بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وأنّ معاذاً يهتدى إلي ما لم يوح الله إلي نبيّه ( ص ) ، وأنّه يهتدى بغير ما اهتدي به النبيّ ( ص ) ، وأوجبتم لمعاذ أنّ رأيه في الهدي كالذي أوحي الله إلي نبيّه ( ص ) ، فرفعتم مرتبته فوق مرتبة النبوّة ، إذ كانت النبوّة بوحي ينتظر ومعاذ لا يحتاج إلي وحى بل يأتي برأيه من قبل نفسه . فمثلكم كما قال الله تعالى : « فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ » ( « 1 » ) . فصار معاذ عندكم يهتدى برأيه ولا يحتاج في الهدي إلي وحي ، والنبي يحتاج إلي وحي ؛ ولو جهد الملحدون علي إبطال نبوّته ( ص ) ما تجاوزوا ما وصفتموه به من الجهل . ثمّ أخبرنا الله تعالى أنّ أصل الاختلاف في الأمم كان بعد أنبيائهم ( ع ) ، فقال : « كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » ( « 2 » ) . فحمدتم أهل البغي ، وقلتم : « اختلافهم رحمة » ، واقتديتم بالخلاف وأهل الخلاف ، وصرفت قلوبكم عمّن هداه الله لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه .

--> ( 1 ) . الأنعام : 93 . ( 2 ) . البقرة : 213 .